محمد الغزالي

99

خلق المسلم

وكان أجدى عليه أن يتحول إلى ربه ، يسأله من فضله . فإن خزائنه ليست حكرا على واحد بعينه ، ثم يستأنف السعي في الحياة بعدئذ . فلعل ما عجز عنه في البداية يدركه ثانية . إن هذا لا ريب أشرف من الضغينة على الآخرين . والبون بعيد بين الحسد والطموح ، وبين الحسد والغبطة ، وبين الحسد واستنكار العوج في الأوضاع والخلط في المنع والعطاء . فالطموح رغبة في الرفعة وسعي إليها . وذلك شأن الصالحين من عباد اللّه . قال سليمان : رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ « 1 » . وقال عباد الرحمن : رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً « 2 » . والتطلع إلى فضل اللّه مع الأخذ في أسباب اكتسابه شيء غير كراهية فضل اللّه عندما ينزل بإنسان معين . والغبطة رغبة المرء في الحصول على نعمة مماثلة لما أكرم اللّه به الآخرين . ولما كان تطلع الإنسان إلى غيره ، قد يكون فتحا لأبواب الفتنة ، وتعلقا بالمنى الباطلة ، واشتهاء لما يحسبه الشخص نافعا له ، وهو في الحقيقة ضار به ، أرشد الإسلام إلى ما ينبغي طلبه ، والتنافس فيه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه اللّه مالا فسلطه على هلكته في الحق ، ورجل آتاه اللّه الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها » « 3 » . والحسد في الحديث تمني مثيل النعمة ، لا تمني زوالها .

--> ( 1 ) ص : 35 . ( 2 ) الفرقان : 74 . ( 3 ) البخاري .